محمد غازي عرابي
929
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
تحدثنا من قبل عن مدلول اسمه سبحانه الحي ، وهو أعظم أسمائه بعد اسم الجلالة ، وأعظم شأنا وأقوى فعلا وأثرا ، فانزع اسم الحي من الحياة تندثر الحياة ، ويعود الوجود ذرا ثم سديما ثم طاقة لطيفة كما كان ، ولهذا تبع قوله هو الحي قوله لا إله إلا هو ، وفصلت الصوفية الكلام في هذا المجال فردوا الصور كلها إليه ، ومنها صور المعبودات كائنة ما كانت ، فكل صورة من صوره ، والشرك هو فصل الصور عن المصور بما في ذلك صورة الإنسان ، فيكون الإنسان قد جحد وأنكر وجعل للّه شريكا في الملك . [ سورة غافر ( 40 ) : آية 67 ] هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 67 ) [ غافر : 67 ] قصة الخلق ظاهرة باطنة ، داخلة خارجة ، مثلها مثل لولب يتحرك تحسب أوله قد تحرك وصعد حتى صار إلى أعلى ، ثم يتبين لك أن حركة اللولب دائمة غير صائرة إلى نهاية ، ولهذا كان الخلق دائما وكان الإنسان الجزئي جزآ من هذه الدورة الوجودية الدائمة وقوله : وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ ، له لطيفة ، فلقد تحدثنا عن موت العارفين العلمي المعنوي ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم في الصديق رضي اللّه عنه : ( من أراد أن ينظر ميتا يمشي على الأرض فلينظر أبا بكر ) ، فالتوفي القبلي خاص بالأمة المحمدية أكابر الناس المحققين الذين يتوفاهم اللّه وهم أحياء يرزقون ، ثم يحييهم إحياء علميا معنويا فإذا الشيخ العارف إنسان كامل مثّل نور النبي القديم فكان هدى ورحمة للعالمين . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 68 إلى 70 ] هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 68 ) أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ ( 69 ) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 70 ) [ غافر : 68 ، 70 ] القضاء المعادلة العلمية التي تسبق التنفيذ ، ومثله مثل علماء الذرة الذين علموا قوانين الذرة ثم جعلوا يحققون ما علموا في مفاعل ذري ، فالوجود هو المفاعل الذري الإلهي الذي يكون العلم فيه بالقوة علما بالفعل ، ولهذا كان القضاء سبق العلم ، ولهذا كان محكما لا سبيل إلى تبديله ، وكيف تبدل العلماء معادلة علمية يقوم عليها صرح المفاعل الذري ؟ فأحداث العالم هو ما يجري في المفاعل من أحداث ، والعلماء تراقب وتشرف على ما يجري ، ولهم الأمر من قبل ومن بعد ، وفي الفكر الإنساني بالذات يقع التفجير العلمي الذري ، فتستخرج منه كل القوى والطاقات ، فالفكر الإنساني التفجير النووي للعالم ، وبه استوى اللّه على عرش الوجود .